عبدالناصر عوض: التحرش بالأطفال ..الوقاية خير من العلاج

حوار: نجاح شوشة

أكد الأستاذ الدكتور عبد الناصر عوض أحمد جبل رئيس قسم خدمة الفرد بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة حلوان، أن الحيلولة دون وقوع الأطفال في شراك المتحرشين، هي بلا شك خير من علاجهم بعد الوقوع في تلك المحنة.

وأضاف عوض في حواره مع “العامل المصري” أن خط الدفاع الأول عن الأطفال هو الحكومات التي تضطلع بمسئولياتها عن تطهير الإعلام وشبكات الإنترنت من المشاهد التي تفسد المجتمع، وتجعل من الأطفال فرائس سهلة لضعاف النفوس.

ونصح رئيس قسم خدمة الفرد بكلية الخدمة الاجتماعية الأسر بتوعية الأطفال بما يجب أن يفعلوه حال تعرضهم إلى مثل هذه السلوكيات المرضية؛ وضرورة طلب العون والنجدة، مشددا على أهمية تربية الأولاد على عدم الانخداع لأي شخص يطمئنهم ويطلب الخلوة بهم بحجة أنه (مثل بابا) على حد تعبيره.

ولفت الأستاذ الدكتور إلى أن بعض الأطفال يتعرضون للتحرش ومع ذلك يؤثرون عدم البوح خوفا من ردود أفعال المحيطين، مشيرا إلى علامات وتغيرات تظهر على سلوك الطفل الذي تعرض للانتهاك.

ولمعرفة تلك العلامات التي تؤشر على وجود مشكلة نفسية أو تحرش، نترككم مع تفاصيل الحوار مع الأستاذ الدكتور عبد الناصر عوض أحمد جبل رئيس قسم خدمة الفرد بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة حلوان، ضيف “رسالة المرأة”

في البداية كيف يوصف علم الاجتماع أزمة التحرش بالأطفال؟

التحرش سلوك مرضي انحرافي يعبر عن تفكك القيم وانهيار الأخلاق وعدم القدرة على التمسك بالفضائل، وقد يكون من جانب بعض المدرسين للطالبات، أو من جانب بعض الكبار للأطفال وهو ما يسمى بـ (الغلمنة) لكون الطرف الآخر غلاما صغيرا.

وفي العادة يستغل الجاني بعض الظروف الملائمة للتحرش والتي يكون فيها الزحام شديدا وفي غفلة من المحيطين مثل الموالد والأفراح وربما في أماكن العمل أو المواصلات العامة.

ويعد التحرش في البلاد العربية سلوك مرضي انحرافي وليس ظاهرة اجتماعية، لأن الظاهرة لها مواصفات محددة كالعمومية والانتشار والجبرية والإلزام، وهذا كله لا يتوفر في التحرش.

ويشير هذا السلوك المرضي إلى عدم وضوح القيم الاجتماعية لدى الفرد، بسبب عدم القدرة على إشباع الرغبات المكبوتة لدى الفرد، وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن التحرش أكثر انتشارا في وسائل المواصلات المزدحمة.

لكن ما العوامل التي تساعد وجود سلوك التحرش بالأطفال؟

عوامل متعددة من بينها صعوبة الزواج بالنسبة للشباب المراهق مع ارتفاع التكاليف والمغالاة في المهور، وعدم القدرة على تفريغ الغريزة بشكل شرعي مقبول، فيضطر المتحرش إلى اصطياد فريسة سهلة لا تقوى على الدفاع أو المقاومة، بل ويسهل خداعها، وتخشى الفضيحة وترفض الإفصاح عما تم معها.

وبعض الأسر لا تقوم بتوعية الأطفال بما يجب أن يفعلوه حال تعرضهم إلى مثل هذه السلوكيات المرضية؛ فينخدع الأطفال في سلوكيات كل من يقول لهم إنه (مثل بابا) أو أنه (عمو) أو (خالو) ومن ثم يخاف الإفصاح عما تم معه.

وتجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام تساهم بشكل أو بآخر من خلال الأفلام والبرامج في شيوع السلوكيات المشينة وإفساد المجتمع عبر أفلام ومسلسلات تركز على الجنس، ويأتي في الصدارة شبكة الإنترنت التي تعج بالمواقع الإباحية، كل هذا يساهم في إشعال الغريزة الجنسية

وأحذر هنا من أن بعض الألعاب التي تقدمها بعض دور الحضانة أو النوادي قد تتطلب المزيد من التلاصق الجسدي بين الأطفال وبعضهم أو الأطفال والكبار أو البنات والمدرب، ومن ثم تبدأ المشكلات.

بالنظر إلى حالات التحرش، وجد أن الطفل نادرا ما يبوح لوالديه بأنه وقع فريسة لأحد المعتدين، فكيف لنا أن نعرف أنه تعرض لها؟

هناك مؤشرات يجب على الأسرة ملاحظتها على الطفل أو الطفلة، وعلى المعالج أو الأخصائي الاجتماعي بالمدرسة أيضا محاولة إدراكها وهي:

ــ الشعور بالإذلال وضعف الثقة بالذات والخوف الدائم من الآخرين

ــ التردد الشديد في اتخاذ القرار

ــ الكوابيس والأحلام المزعجة

ــ محاولة الطفل إخفاء جزء من جسده

ــ التكتم ومحاولة النأي بالنفس أو العزلة

لذلك على الأسرة معرفة التغيرات الطارئة على نمط الطفل ومن ثم محاولة معرفة ما حدث بكل هدوء وبلا تقريع وتوبيخ، لكونه ضحية سلوك مشين من شخص غير مسئول.

ولا بد من التنويه إلى أن بعض الأسر تنظر إلى الفتاة مهما كبرت على أنها طفلة صغيرة، ولا يعلمون أنها قد تبدأ البلوغ في مرحلة مبكرة الرقص والبالية بشكل مبتذل مما يؤدي إلى مزيد من الانحراف.

هل توجد نسبة تقريبية لوجود بعض حالات التحرش يكون فيها المعتدي من أقارب الطفل؟

أظهرت بعض الدراسات التي أجريت سواء في الخارج أو الدول العربية أن معظم من اقترفوا هذا السلوك المرضي كانوا من أقارب الأطفال، فمن بين كل مئة حالة تحرش، وجد أن 70 منها ارتكبها أقارب للطفل.

وإذا كان الرسول حذرنا من دخول الأقارب على الزوجات فقال: الحمو الموت، فإن هذا التحذير جدير بأن يوضع في الاعتبار، لأن القريب لا يتوقع منه الضرر، مع أنه ينبغي الاحتياط، والاحتياط لا يعني التخوين أو الاتهام، ومع الأسف فإن العرف الاجتماعي لا يلتزم بالشرع في هذه المسألة.

كما يجدر التنويه إلى ضرورة الحد من الاختلاط، حيث أن كثرة الاختلاط خاصة عندما يختلط الصغار دون رقيب أو عدم التفريق في المضاجع بين الصغار والكبار تفضي إلى تصرفات وعواقب وخيمة.

على مستوى الوقاية من التحرش، ماذا نفعل؟

المطلوب هو السير على هذه النقاط بالتوازي:

ــ زيادة الوعي الديني

ــ الفصل بين الأولاد والبنات في الألعاب الجماعية

ــ وضع حدود لعلاقة الصغار بالأقارب الكبار، ويجب أن تكون أعين الأهل مفتوحة لرقابة تلك العلاقة.

ــ الإعلام مطالب بترشيد أو تغيير سياساته الاستثارية؛ لأن ثلاثية (الجنس العنف المخدرات) للأسف هي المسيطرة على الأفلام والمسلسلات والدراما بشكل عام، وهذا يكرس حالة الشهوانية في المجتمعات، لذلك فالإعلام مطالب بتعديل سياسته بما يتواءم مع الصالح الأخلاقي العام.

بعض الأطفال قد يتلقى معلومات قد لا تناسب سنه، سواء من الإعلام أو من أصدقاء أكبر منه سنا، فما أثر ذلك؟

المعلومة تعطى بحسب المرحلة العمرية، “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”

فالمعلومة في غير وقتها تضر به لأنها فوق وسعه وطاقته، ونحن مأمورون بأن نخاطب الناس على قدر عقولهم، وبطبيعة الحال هو لن يحصل على المعلومة كاملة وسوف يذهب لمن يعطيه بقية المعلومات بدافع الفضول، لذلك لا بد للأهل من احتواء الطفل والإجابة على تساؤلاته وكسب ثقته.

ما هي سبل احتواء وعلاج الأطفال الذين ابتلوا بهذه المحنة؟

ــ لا بد أولا من إبعاد الطفل عن مصدر الخطر وتجديد صداقاته بصداقات جديدة من بيئة مختلفة.

ــ قد يكون من الضروري تحويل الطفل من المدرسة أو الحضانة التي حدث فيها هذا الأمر حتى لا يشعر بالدونية أثناء استرجاع الذكريات أو يرى في وجوه الزملاء شيئا من التعيير.

ــ إعطاء دعم نفسي وجرعة من العطف والتشجيع

ــ لا بد من تجنب اللوم والتقريع لأنه كان ضحية، ومن وقت لآخر لمسة حانية ليشعر بوجود من يؤازره.

ــ بعض الحالات القليلة تحتاج إلى العرض على أخصائي اجتماعي تحليلي سلوكي أو أخصائي اجتماعي معرفي، وهذا خاص بالنسبة للحالات المتدهورة، وهي تلك الحالات التي لا تزيد عن 2% من حالات التحرش بالأطفال.

هل ينتشر التحرش في البيئات الحضرية أكثر أم في البيئات الريفية؟

باستقراء الواقع يؤكد الباحثون أن هذه السلوكيات تقل في الريف، حيث القرب من الطبيعة وبساطة الحياة والبعد عن التعقيدات والأ‘باء المعيشية، وعلى العكس تكثر في المدن، حيث تعقيدات الحياة المدنية وزيادة أعباء الزواج والمغالات في المهور وصعوبة توفير المسكن العائلي، ولأن السياقات العشوائية المزدحمة، مع انخفاض مستوى المعيشة وضعف الوازع الديني يكون البيئة الخصبة لتلك السلوكيات المرضية.

بجانب القوانين والتشريعات الرادعة كيف نكافح هذه الجريمة؟

من جهة التشريعات فهي موجودة، فالمشكلة ليست في سن القوانين، بقدر ما هي في إمكانية التزام المواطنين بها، ورقابة الدول على تطبيقها على الجميع، وتوجد تشريعات للمتحرشين بالمواصلات العامة، لكنها تشريعات قاصرة، وعلاوة على ذلك فإنها لا تطبق لوجود أجواء المحسوبيات والرشاوى في أغلب البلاد العربية.

 

You May Also Like

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *